محمد بن وليد الطرطوشي
300
سراج الملوك
فصل : في مراتب الشكر « * » : والشكر على ثلاث مراتب : شكر بالقلب ، وشكر باللسان ، وشكر بالجوارج . [ الشكر بالقلب : ] فأما الشكر الواجب على جميع الخلق ، فشكر القلب ، وهو أن يعلم أنّ النّعمة من الله وحده ، ولا نعمة على الخلق من أهل السماوات والأرض إلا وبدايتها من الله تعالى ، حتى يكون الشكر لله تعالى عن نفسك وعن غيرك بمعرفة نعم الله تعالى عليك وعلى غيرك . وهذا النوع هو الذي يقال فيه : يجب على العبد أن يشكر الله على نعمة أسديت إلى غيره ، والدليل على أن الشكر محله القلب ، وهو المعرفة ، قوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] أي أيقنوا أنها من الله ، وإلى هذه الكلمة انتهى جميع ما قاله الخلق في الشكر . والدليل عليه أيضا قوله تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ آل عمران : 123 ] . أي اتّقونى ، فإنه شكر نعمتي . وخلق الله تعالى الحياة نعمة على العبد ، قال تعالى : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة : 56 ] والعبارة عنه أن يقال : الشكر ، اعتراف القلب بإنعام الله تعالى على وجه الخضوع . ويقال فيه : الشكر اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة . وقال أبو عثمان « 1 » : الشكر معرفة العجز عن الشّكر . وروى أنّ داود عليه السلام قال : إلهي ، كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك ؟ فأوحى الله تعالى إليه : الآن قد شكرتنى . وقال وهبّ بن منبّه : قال داود عليه السلام : إلهي ، ابن آدم ليس منه شعرة
--> * من إضافات من المحقق . ( 1 ) نقل الشيخ الطرطوشى عن أكثر من شخصية بهذا الاسم ، فقد نقل عن أبي عثمان الحيري سعيد بن إسماعيل الزاهد المعروف بحلمه والمتوفى سنة 298 ، وعن أبي عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل الزاهد العالم المجاهد والذي توفى بالكوفة سنة 76 ه وهذا لعله أبو عثمان البصري عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة وفقيهها والزاهد المشهور توفى سنة 144 ه .